ابن أبي الحديد

36

شرح نهج البلاغة

فلا أسيغها ، وإذا هي من علباء العنق ( 1 ) فإذا غفل عنى جعلتها بين الخوان والقصعة ، فدعا بعس ( 2 ) من نبيذ كاد يكون خلا ، فقال : اشرب فلم أستطعه ولم أسغه أن اشرب فشرب ، ثم نظر إلي وقال : ويحك انه ليس بدرمك ( 3 ) العراق وودكه ( 4 ) ولكن ما تأكله أنت وأصحابك . ثم قال : اسمع إنا ننحر كل يوم جزورا فأما أوراكها وودكها وأطايبها فلمن حضرنا من المهاجرين ، والأنصار وأما عنقها فلآل عمر ، واما عظامها وأضلاعها فلفقراء المدينة نأكل من هذا اللحم الغث ، ونشرب من هذا النبيذ الخاثر ( 5 ) ، وندع لين الطعام ليوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها . * * * حضر عند عمر قوم من الصحابة ، فأثنوا عليه ، وقالوا : والله ما رأينا يا أمير المؤمنين رجلا أقضى منك بالقسط ، ولا أقول بالحق ، ولا أشد على المنافقين منك ! إنك لخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عوف بن مالك : كذبتم والله أبو بكر بعد رسول الله ، خير أمته رأينا أبا بكر . فقال عمر : صدق عوف والله وكذبتم ! لقد كان أبو بكر والله أطيب من ريح المسك ، وأنا أضل من بعير أهلي . * * * لما أتى عمر الخبر بنزول رستم القادسية ، كان يخرج فيستخبر الركبان كل يوم عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار ، ثم يرجع إلى أهله ، فلما جاء البشير بالفتح ،

--> ( 1 ) العلباء عصبة صفراء في صفحة العنق . ( 2 ) العس : القدح الكبير . ( 3 ) الدرمك : دقيق الحواري . ( 4 ) الودك ، محركة : الدسم من اللحم والشحم . ( 5 ) خثر النبيذ : ثخن واشتد .